أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
219
التوحيد
ثم يقال له : الذي يريده بعد الإيمان أو يحرمه بعد الكفر ، وكان في ذلك معونة في الدين وتيسير عليه أو لا ؟ فإن قال : لا ، بان بهته وسقط موضع جعل ذلك ثوابا أو عقابا ، وإن قال : بلى ، فقد أقر عليه مذهبه ببذل شيء هو أصلح له في الدين . ثم يقال : هل رأيت كافرا بعد أن آمن ، أو أخبرت كون ذلك ، أو مؤمنا بعد الكفر ؟ لا بد من : بلى . قيل : أكان إعطاء الثواب ومنعه ذلك الشرح أو لا ؟ فإن قال : لا ، ألزمه الخلف في الوعد والكذب في الخبر ، وإن قال : نعم ، قيل : أي نفع له في تلك الفوائد ، أو أي ضرر عليه في التضييق ؟ إذا ليجعل ذلك ثوابا أو عقابا ويمنع جواز ذلك ابتداء بما سماه مرة هوادة ومرة محاباة ومرة صدا ومرة منعا ، نسأل اللّه العصمة عن قول هذا عقباه . ثم من احتج منهم بقوله : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] ، فالجواب لذلك من أوجه ثلاثة : أحدها أنهم ادّعوا به الأمر كقوله : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا [ الأعراف : 28 ] ، واللّه أمرنا بها ، وكذلك قوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ [ آل عمران : 78 ] . والثاني أنهم لما أوعدوا في ذلك قد أمهلوا فلما أمهلوا ظنوا كذب الرسل وحسبوا أن ذلك مما للّه فيه الرضا وإلا لم يكن يمهلهم ، وكذلك ظن أصحاب السبت ، وذلك كقوله تعالى : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ [ يوسف : 110 ] . والثالث أن يكونوا قالوه على الاستهزاء بالمؤمنين بما يدعون أن كل شيء بمشيئة اللّه كقول الإنسان : إذا ما مت لسوف أخرج حيا ، إنه قال ذلك على الاستهزاء بالمؤمنين ، وإن كان ذلك حقا ، وكذلك قول المنافقين : نشهد أنك لرسول اللّه ، ولكن ذلك لما كان الهزء طعنوا به ، فمثله الأول ، واللّه أعلم . أيّد ذلك آخر الآية : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] ، وغير ذلك ، ولا يحتمل لما مرّ بيانه . وقال في قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] ، إنه على الإكراه أن يمنعهم على الإكراه قسرا كما جعلهم شيوخا وشبابا ، ولكن شاء أن يبتليهم كقوله : وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ [ محمد : 4 ] ، وقد شاء ذلك بالنبي وأصحابه ، ولكن أراد به مشيئة القسر ، إذ ليس معها حمد ولا أجر . قال الشيخ رحمه اللّه : وقد بيّنا ما يدل على وهمه ، على أنه من كان ممن سبق إلى قوله إن اللّه لو شاء أن يخلق فعلا ليس بفعل للخلق لا يقدر عليه حتى يجئ الكتاب بالامتداح به والاقتدار عليه ، وإنما قدر ذلك من الفعل في غيره مما ظهر من